🔪قتلة الاكـــــتشاف في معرض الكـــتاب


🔪 قتلة الاكتشاف

الإنترنت بات هوسًا، ومُضيّعًا لبُوصلة الذهول والاكتشاف في معرض الكتاب.

في عادتي، أُجَهّز قائمة لشراء الكتب، ولكن هناك ما يقتل اللحظة: المراجعات الزائفة، وبائع الكتب الذي حوَّل المعرض إلى سوق للأسماك والمزايدات.

لقد اختفت متعة الاكتشاف التي كنا نخوضها سابقًا حين كنا نذهب إلى المعرض دون أن نعرف ما هي الكتب الجديدة، وماهيتها، وعمّا تتكلم.

طرق “القتل” كثيرة، ولكنني أَقصد بهذه الكلمة ليس القتل الفعلي، بل قتل اللحظة، والذهول، والمفاجأة.

أربع مراحل للقتل

القاتل الأول :

1-تبدأ الزيارة لدور النشر التي نفخت نفسها في فقاعة الإنترنت، حتى كبرت وانفجرت عند أول لقاء وزيارة لها في المعرض. لقد اختفت هالة الإعجاب بها عند أول مشاهدة سريعة لمواضيع الكتب، وعند أول تعامل غير مُحَبَّب من الموظف معك، فالترويج (التسويق) كان مبالغًا فيه جدًا.

القاتل الثاني :

2-عندما تحتار ماذا تختار، يدخل عليك البائع الـمُفَوَّه والـمُرَتَّب، وكأنك سوف تطلب وجبة طعام من قائمة الطعام. يُعطيك أصنافًا لا ترغبها، أو يُناَولك قائمة الكتب التي يُبرز فيها ما يفرضه على عقلك، وكأنها هذه الكتب الجميلة الوحيدة. تَرَى أول الكتب تحمل اسم صاحب دار النشر، لأنه يعلم أن لن يشتري كتبه أحد. يسوّق لها وكأنها ليست كتابًا بل ماكينة ربح سريعة. حين تمر بنظراتك، تراه يكتب في كل شيء: رواية قتل و تنمية بشرية وصحة نفسية. وتقول بنفسك: ما هذا؟ هل سوف أصبح سيكوباتيًا أم أخرج مريضًا نفسيًا بسبب هذه الكتب؟ تارة أرى كتبًا تُحسِّن حياتي وتارة تجعل حياتي تحبس الأنفاس.

القاتل الثالث :

3- كتب مُخبأة في جحور، لا تخرج لك حين يحتار البائع ماذا سيبيعك وتنتهي جميع حيل البيع لديه. يُخرجها بصعوبة، وكأنه مُجبر منك على ذلك. بعضها كنوز وثمينة. يعرض عليك بالبداية كتبًا غير لامعة، مُكررة عليك، مُملة، لا هدف منها غير البيع، لا مضمون ولا هدف ولا قصة جيدة تعكس واقعنا الإنساني القريب من واقعنا.

القاتل الرابع :

4 -الوقت الضائع الذي نركض وراءه لاهثين على انتهاء المدة الزمنية التي نقضيها بالمعرض. نركض بين الزوار وكأننا في ساحة جري، نركض وراء الكتب والقائمة المُعَدّة مسبقًا، وحفلات التوقيع، وجلسات النقاش، والكاتب والإعلامي المحبب لنا، والصديق الذي لا نراه إلا مرة بالسنة، وزيارة مع العائلة، والأكل السريع.

لا تجعل هذه الأحداث تقتلك. هذه جريمة في حق نفسك. تحكّم بها قبل أن تتحكّم فيك.

الحلول لمسح مسرح الجريمة من عملية القتل المتعمد لك :

الحل الأول : البائع الزائف

على دور النشر أن تختار بائعين وأشخاصًا مُلمِّين بالكتب ومضامينها. القارئ ليس سلعة، بل كائن يبحث عن معنى ومضمون، وليس مجرد شراء من أجل الأرباح للدار.

دعني أروي لك قصتي في المعرض:

ذهبت إلى إحدى دور النشر التي كنت أريد شراء بعض الكتب منها، ولكن بسبب عدم وعي البائع بما يبيع، تراجعت عن الشراء، رغم أنني أريد الكتب الموجودة في هذه الدار. أصبحت أهرب عندما أمر ناحية الدار؛ فقدت الشغف في اقتناء هذه الكتب.

الشخص المسؤول عن البيع هو من يجذبني للشراء أكثر من الكتاب.

وذلك بعد أن يحترمني كقارئ يبحث عن كتب حقيقية، ويدرس سلوكي واهتماماتي قبل أن يعرض عليَّ بعض الكتب التي لا تلبي احتياجي واهتمامي.

الحل الثاني: النصيحة للكاتب الجديد

نصيحتي للكاتب الجديد: لا يعني كتابك الأول هو النجاح، بل هي تحدٍ إما تستمر وتتحسّن، وإما أن تبحث عن شهرة فتندثر.

قد ترى كلامي جارحًا، بل هو واقع يجب أن تتقبله. لا أُزَعْزِعُك أو أُهَمِّشُك، بل أريد أن ترى نفسك: أين أنت ذاهب؟ وأين سوف تكون؟ فنجيب محفوظ لم ينجح من أول رواية، بل بقيت كتبه على أرفف المكتبات من دون اهتمام القراء بها.

هل سوف ينجح الكتاب الأول؟

الجواب عندك وليس عندي. يجب أن تدرس الكتابة قبل أن تكتب، وتعرف ما قدمته للآخرين: هل هي رحلة حقيقية للقارئ؟ هل هي هراء من أجل حمل لقب كاتب؟ أم شهرة من أجل كاميرات سوف تلتقطها اللحظات وسوف تختفي هذه اللحظة لذِكرى محصورة في المكان؟

عليك أن تدرس وتكتب وتكتشف من أجل بَدْء رحلتك، والاكتشاف، سواء كان كتابًا أدبيًا أو معارف عامة أو رواية أو موسوعة أو دراسة بحثية مليئة بالاكتشاف تريد مشاركته مع الآخرين.

تساؤلات :

العمل الحقيقي يبقى قبل موتك والعمل زائف يرمى عبر الزمن ماذا تريد ان تكون ؟

“القارئ والزمن يحكمان على النص والفكرة…”


اكتشاف المزيد من

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أضف تعليق